نص الحافلة
الفصل الأوّل
اقرأ النّصّ التّالي بتمعّن ثمّ أجبْ عن الأسئلةِ الّتي تليه:
الحافلة
كان الوقت هو الظّهيرةَ... الشّمس ترتفع في كبد السّماء... وبالرّغم من بعدها الشّاسع... إلّا أنّ حرارتها تكاد تكوي الأجساد... ولم تكن هناك نسمة هواء واحدة تلطّف هذا الجوّ. كان ذلك الموعدُ هو موعدَ خروج الموظّفين من أماكن عملهم إلى حيث يطلبون الرّاحة في ابتسامة أطفالهم وهدوء منازلهم.
كانوا أشبهَ بأسراب النّمل أثناء خروجها من مخابئها.
وعند موقف حافلات النّقل العامّ وقفتُ منتظرًا تلك الحافلة الّتي ستوصلني إلى
مآبي اليوميّ...
وبعد مدّة ليست بالوجيزة أقبلت. كان مشهدها يبعث على اليأس من أمل
الرّكوب بها. فقد كانت الأبواب مزدحمة بالمسافرين. وبالرّغم من هذا المشهد المتكرّر يوميًّا إلا أنّي لم أفقد الأمل ككثير غيري انطلقوا نحوها في سباق جنونيّ... ولست أدري كيف قفزتُ تلك القفزة الّتي يحسدني عليها أمهرُ لاعبي السّيرك... ولا كيف أمسكتْ يدي بذلك القائم المجاور للباب... ولوهلة ظلّت قدماي معلّقتين بالهواء... وأخيرًا استقرّتا فوق قدميْ آخر.
وبدأت رحلة الكفاح المقدّسة ألا وهي شقّ طريقي وسط تلك الكُتل الملتحمة
إلى أن تحرّك أحد الواقفين ليهمّ بالنّزول... فانتهزتها فرصة واندفعت لأحلّ محلّه. وأخيرًا استقرّت قدمايَ واسترخى جسدي في وقفته.
وبدأت زفرات الضّيق وأنّات الانزعاج تنطلق من فمي ردًّا على هؤلاء الّذين يدفعونني بين الحين والآخر أثناء ذهابهم وإيابهم من خلفي.
وأمامي مباشرة، كانت تجلس فتاةٌ في مقتبل عمرها وتمسك حقيبتها بكلتا
يدَيْها... وبجوارها ناحية النافذة كان يجلس فتى في ريعان شبابه.
كانت ملامحه تنطق بالوسامة، وشعره اللّامع المصفَّف بعناية تامّة مع ملابسه الأنيقة توحي بذوقه الرّفيع... كان ينظر من النّافذة بعينين حالمتين... وبين الحين والآخر كنت أَلْمَحُ عند زاوية فمه شبحَ ابتسامة ولكنّها كانت تموت قبل أن تكتمل.
وانعقد حاجباه بشدّة عندما وقع بصره على مشهدٍ حاولت مسرعًا أن ألتقطه،
ولكنّي لم أستطع.
وتحرّك الواقف بجواري زاعمًا الهبوط، فهممت أشغل حيِّزا أكبر من ذلك الّذي كنت أنكمش فيه.
ولكن، إذا برجل طاعنٍ في السّنّ ذهلت كيف أنّه استطاع شقّ طريقه وسط تلك الأهوال... فاضطررت أن أنسحب إلى داخلي كي أفسح له مجال الوقوف.
وما أن وقف ذلك الشّيخ حتّى التقط أنفاسه بعمق وبدأ يتجوّل ببصره في
الجالسين أمامه... واستقرّت عيناه على الشّابّ، وأخذ يتنحنح بصوت عال تعمّد أن يلفت به الأنظار.
نظر الشّابّ نحوه نظرة خاطفة، وملامحه جامدة لا تعبّر عمّا يعتمل بداخله.
وعاد ببصره ليحلّق به عبر النّافذة وكأنّه لم يرَ شيئًا...
تأوّه الشّيخ بصوت مسموع، وأمسك ظهره بإحدى يديه... والشّابّ لم يحاول الالتفات نحوه...
وهنا قامت الفتاة الجالسة بجواره ودعت الشّيخ ليحلّ محلّها في كرسيّها
ويجلس عليه، والشّيخ يحاول التّمنّع ولكنّه جلس. أمّا الشّابّ فقد أدار وجهه بأكثر
ما يستطيع نحو النّافذة...
وهنا لم أستطع كتمان صوتي، فقلت بصوت مرتفع... (حقًّا لقد أصبح شبابُ
هذه الأيّام بعيدين عن القِيَم).
وكأنّ عبارتي كانت هي إشارةَ البدء. فقد انطلقت التّعبيرات السّاخرة. وما
أمرّها تلك التّعليقات الّتي تنطلق من فم هؤلاء الّذين أرهق أعصابهم العمل والجهد اليوميّ...
كانت تلك الانتقاداتُ بمثابة محاولة للتّنفيس عمّا يعتمل في نفوسهم من رفض لأمور كثيرة...
ولست أنكر أنّي كنت صاحب نصيب الأسد في تلك التّلميحات القاتلة.
وذلك الشّابّ لم أكن أرى من وجهه سوى زاوية جانبيّة صغيرة كانت متعرّجة بشدّة دلالة على أنّه يعاني انفعالًا ما كنت في اشتياق لمعرفته... وظلّت الحافلة
منطلقة وقد بدأت تتخفّف من الأعداد المثقلة بها...
وأخيرًا هَمَّ ذلك الشّابّ بالنّزول...
ويا للصّاعقة...!!!! لقد كان المسكين مصابًا بإعاقة في قدميه وكان يداريها
بأحماله الّتي معه... نظرت إلى وجهه فوجدت أثرَ الدّموع المتجمّدة عليها... وعندما هبط نظر نحوي عبر النّافذة، كانت عيناه تحملان نظرة ألم عنيفة جعلتني أهوي وأنسحق إلى داخلي وأعماقي تهتزّ بعنف...
وظلّت الأفكار تموج بي، وتعصف بكياني، وانطلقت الحافلة بمن تبقّى فيها.
رابط الاسئلة